التفكير الزائد وأثره على الصحة النفسية
يعتبر التفكير الزائد والقلق، من الظواهر النفسية الشائعة في العصر الحديث، نتيجة تزايد وتيرة العيش، وكثرة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية،ثم تعدد المسؤوليات الفردية. وقد أصبحا يؤثران بشكل مباشر على الصحة النفسية والجسدية للأفراد، مما ينعكس سلبًا على الأداء الاجتماعي.
ويهدف هذا الموضوع إلى تسليط الضوء على مفهوم التفكير الزائد والقلق، وتحليل أسبابهما، وتبيان آثارهما المتعددة، إضافة إلى استعراض أهم الأساليب العلمية والنفسية للتخلص منهما.
مفهوم التفكير الزائد والقلق
مفهوم التفكير الزائد
يُقصد بالتفكير الزائد "Overthinking" في علم النفس، بأنه نمط معرفي يتمثل في الانشغال المفرط بالتحليل الذهني للأحداث، سواء المرتبطة بالماضي أو بالتوقعات المستقبلية، على نحو يؤدي إلى زيادة القلق ويُضعف القدرة على اتخاذ قرارات الحسم. ويتسم هذا النمط بتكرار الأفكار السلبية واستحضار سيناريوهات متشائمة مشمئزة، مما يترتب عليه حالة من الجمود التحليلي، والإجهاد العقلي، ويترك آثارًا سلبية على الصحة النفسية للفرد.
ويشير التفكير الزائد أيضا، إلى الانشغال المستمر والمفرط بالأفكار، مع تكرار تحليل المواقف بشكل مبالغ فيه دون التوصل إلى حلول عملية. ويُعد هذا النوع من التفكير نمطًا غير تكيفي، حيث يستهلك طاقة عقلية كبيرة دون فائدة حقيقية.
مفهوم القلق
يُعرف القلق "the worry" في الأدبيات النفسية، بوصفه حالة انفعالية، تخلق عبر التوقع دوافع، مصدرها إما خطر أو تهديد مستقبلي، سواء كان واقعيًا أو عبر التخيل، كما يصاحبها نمط من الاستجابات الفسيولوجية، مثل تزايد معدل ضربات القلب والتوتر العضلي، إلى جانب مظاهر نفسية معرفية كفرط اليقظة، والانشغال الذهني، وصعوبة في التركيز.
ويُنظر إلى القلق بوصفه استجابة تكيفية طبيعية للضغوط التي تفرضها الحياة الإجتماعية، غير أنه يتحول إلى اضطراب نفسي مرضي، يتسم بالمبالغة والاستمرارية، مما يساهم إلى خلل وظيفي يعيق الأداء اليومي والاجتماعي للفرد.
العلاقة بين التفكير الزائد والقلق
هناك علاقة وثيقة بين المفهومين، "التفكير الزائد" و"القلق"، حيث يقوم بزيادة مستويات القلق، بينما يعمل الثاني عل زيادة التفكير السلبي. كما تشكل هذه العلاقة حلقة مفرغة يصعب الخروج منها دون تدخل واعٍ أو أساليب علاجية مناسبة.
أسباب التفكير الزائد والقلق
ساهمت جملة من العوامل إلى حدوث التفكير الزائد والقلق، ويمكن تصنيفها إلى ما يلي:
الإضطرابات النفسية: تشمل عددًا من الحالات المرضية، أبرزها اضطراب الوسواس القهري، واضطرابات القلق، والاكتئاب...إضافة إلى الاضطرابات المرتبطة بالنوم. كلها تؤثر مجتمعة على الصحة النفسية والوظائف اليومية للفرد.
التوثر والشعور بالقلق: يظهرالقلق والتوتر، في الخوف من المستقبل غالبا، أو من نظرة المجتمع، أو من الفشل، الأمر الذي يرمي بالذهن إلى استحضار تصورات ذهنية سلبية وسيناريوهات متشائمة تزيد من حدة الاضطراب النفسي.
أسايب التحرر من التفكير الزائد والقلق
الممارسة السلوكية: تتمثل الممارسة السلوكية في التعامل مع التفكير الزائد والقلق، وتنظيم الوقت وتحديد الأولويات، بما يضمن إدارة فعّالة للمهام اليومية، من ناحية أخرى أن ممارسة النشاط البدني بانتظام، يعزز الصحة النفسية، والجسدية، إلى جانب تقليل الاعتماد المفرط من وسائل التواصل الاجتماعي، والانخراط في أنشطة اجتماعية مفيدة لتعزيز التفاعل الإيجابي وبناء شبكة دعم صحية جيدة.
الممارسة المعرفية: تحتوي الممارسة المعرفية في التعامل مع التفكير الزائد والقلق، من خلال كتابة الأفكار وتحليلها بشكل منطقي ومنهجي، والتمييز بعقلانية بين الأمور، التي يمكن للفرد التحكم فيها، وتلك التي تقع خارج نطاق قدرته، بالإضافة إلى التركيز على الحاضر، والانشغال باللحظة الحالية، بدلاً من التعلق بالماضي أو التفكيرالمفرط في المستقبل.
دور ا لعلاج النفسي في التفكير الزائد والقلق
في الحالات التي يستمر فيها التفكير الزائد والقلق لفترات طويلة، يترك أثرا سلبيا، على صحة الفرد النفسية، الأمر الذي يصبح من الضروري اللجوء إلى متخصصين في الصحة النفسية. وفي هذا الصدد يشير بيك (Beck) إلى أن العلاج النفسي، خصوصًا العلاج المعرفي السلوكي، يوفّر أدوات فعّالة لإعادة هيكلة الأفكار السلبية والسيطرة على التفكير، مما يحسّن جودة الحياة النفسية. الأمر الذي يؤكده نولن-هوكسيما (Nolen-Hoeksema) أن اللجوء للعلاج النفسي، لا يعد دليل ضعف، بل هو تعبير عن وعي الشخص بحاجته إلى دعم مهني لتعزيز الصحة النفسية والتكيف السليم مع الضغوط.
خاتمة:
ختاما لكل ما تناولناه، أن التفكير الزائد والقلق، أصبح يعد من التحديات النفسية التي تواجه الإنسان في حياته الإجتماعية، إلا أن التعامل العقلاني معهما، يستطيع أن يحدّ من آثارهما السلبية. ومن خلال فهم أسبابهما، والوعي بآثارهما، وتطبيق القواعد النفسية والسلوكية المناسبة، التاي تمكن الفرد من أن يحقق قدرًا أكبر، من التوازن النفسي والاستقرار الداخلي. فالعناية بالصحة النفسية ضرورة، لا تقل أهمية عن العناية بالصحة الجسدية، وهي أساس لحياة أكثر إنتاجية وطمأنينة.
