تأثير وسائل التواصل الإجتماعي على بناء الذات

             تأثير وسائل التواصل الإجتماعي على بناء الذات



     يعيش العالم في العقود الأخيرة، ثوارت رقمية غيرت منحنى طريقة تواصل الأفراد وتفاعلهم مع المجتمع. حيث أصبحت منصات التواصل الإجتماعي، مثل facebook وinstagram وtiktok...  لحمة لا تتجزأ من الحياة اليومية، خاصة لدى فئة الشباب. ومع هذا الانتشار الواسع، برزت تساؤلات مهمة حول التأثيرات النفسية لهذه المنصات، ومن أبرزها تأثيرها على تقدير الذات.

 فهل تعزز وسائل التواصل الاجتماعي ثقة الفرد بنفسه أم تسهم في إضعافها؟ هذا الموضوع يحاول تسليط الضوء على تحليل العلاقة بين الاستخدام المتزايد لهذه المنصات ومستوى تقدير الذات لدى الأفراد، مع التركيز على السياق الاجتماعي social context .

مفهوم الذات

يُعد مفهوم الذات " oneself"الركيزة الأساسية التي تتكوّن عليها شخصية الإنسان، إذ يتمثل في مجموعة منظمة ومترابطة، من الأفكار والتصورات التي يحملها الفرد عن نفسه. كما تشمل هذه الأفكار معارفه وإدراكاته وانطباعاته التي تُكون الصورة الذهنية لذاته وتحدد خصائصها.

ويحتوي مفهوم الذات أبعادًا متعددة، منها الجسدية والنفسية والاجتماعية، وهو وإن كان يتمتع بدرجة من الاستقرار، إلا أنه قابل للتعديل والتطوير. كما أنه يُكتسب عبر الخبرات اليومية والتجارب التي يعيشها الفرد، وما يتجلى في نظرته إلى نفسه، سواء كانت نظرة إيجابية تعزز ثقته بذاته أو نظرة سلبية تقلل من تقديره لها.

الديناميكيات النفسية لتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تقدير الذات

الديناميكية الإجتماعية: Social Dynamic

توفر المنصات الرقمية مساحة لعرض اللحظات الإيجابية  والمظاهر الجمالية، غالبًا ما يتم إخفاء الجوانب السلبية من الحياة. هذا العرض الانتقائي يدفع المستخدمين إلى مقارنة حياتهم اليومية الواقعية بحياة "مثالية" معروضة في شكل الصور ومقاطع الفيديو.

في جل المجتمعات، قد تتعزز هذه المقارنات، بسبب الإعتماد على المظهر، والتركيز على المكانة الاجتماعية، ومستوى الرفاهية. فمشاهدة صور السفر، والسيارات الفاخرة، والمقانا الاجتماعية الكبيرة، قد تولد شعورًا بالنقص لدى بعض الأفراد، خاصة إذا كانوا يمرون بظروف اقتصادية صعبة.

صورة الجسد والمعايير الجمالية:

تسهم وسائل التواصل دورًا كبيرًا في تشكيل معايير الجمال، خاصة لدى فئة المراهقين، فانتشار الصور المعدلة باستخدام تطبيقات تصميم الصور، قد يؤدي إلى خلق صورة غير واقعية للجمال. في هذا السياق حيث تتزايد شعبية المؤثرين في مجالات الموضة والجمال، كما قد يتعرض الشباب لضغط إضافي لمحاكاة هذه الصور المثالية. الأمر  الذي يؤدي إلى انخفاض الرضا عن شكل الجسم، واضطرابات في الأكل، و تراجع في تقدير الذات.

الآثار السلبية المحتملة:

يرتبط الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي بعدد من الآثار النفسية السلبية، التي تنعكس بصورة مباشرة، على تقدير الذات والصحة النفسية للأفراد. فالمقارنات المستمرة مع الصور المثالية المعروضة عبر هذه المنصات قد تؤدي إلى انخفاض تقدير الذات، حينها يبدأ الفرد بالشعور بالدونية أو بعدم الكفاية عند قياس حياته الواقعية بما يراه من مظاهر نجاح أو جمال أو رفاهية لدى الآخرين. في هذا السياق أشارت العديد من الدراسات، إلى وجود علاقة ارتباطية بين كثافة استخدام وسائل التواصل وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب، لا سيما لدى فئة المراهقين الذين ما زالوا في مرحلة تكوين هويتهم النفسية والاجتماعية. وإضافة إلى ذلك، قد يتطور الأمر إلى ما يُعرف بالإدمان الرقمي، إذ يعتمد بعض الأفراد بشكل مفرط على التفاعل الإلكتروني وعدد الإعجابات والتعليقات لتعزيز شعورهم بالقيمة، مما يقود إلى سلوكيات قهرية وصعوبة في الانفصال عن العالم الافتراضي. ولا يمكن إغفال ظاهرة التنمر الإلكتروني، حيث تترك التعليقات الجارحة أو السخرية العلنية آثارًا نفسية عميقة قد تتفاقم في ظل غياب الدعم الأسري أو المدرسي الكافي، مما يزيد من هشاشة تقدير الذات ويؤثر في التوازن النفسي للفرد.

الآثار الإيجابية:

على الرغم من المخاطر المرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي "social media"، إلا أنه لا يمكن إغفال دورها الإيجابي في بعض السياقات، في تعزيز تقدير الذات. فهي تتيح للأفراد فرصًا للحصول على دعم اجتماعي من خلال التواصل مع أشخاص يشاركونهم الاهتمامات أو يمرون بتجارب وتحديات مشابهة، الأمر الذي يعزز شعورهم بالانتماء . كما توفر مساحة شاسعة للتعبير عن الآراء والمواهب والإنجازات، اشيء الذي يسهم في بناء الهوية الشخصية، وتنمية الإحساس بالكفاءة والإنجاز. من جهة أخرى مكنت هذه المنصات العديد من الشباب من إطلاق مشاريعهم الخاصة وتطوير علاماتهم الشخصية والتجارية، وهو ما انعكس إيجابًا على مستوى الثقة بالنفس. 

الأثر التربوي:

يمكن حصر الأثر التربوي من إستخدام وسائل التواصل الإجتماعي، في:

متابعة محتوى إيجابي دو منفعة معرفية يتمثل في الحسابات التي تروج للصحة النفسية أو المهارات المهنية.

تعزيز الوعي النقدي الذي يتمظهر في  إدراك أن معظم المحتوى معروض بصورة انتقائية وغير واقعي.
تقوية تقدير الذات داخليًا، من خلال تطوير المهارات، وتحقيق إنجازات واقعية خارج العالم الرقمي.
دور الأسرة والمؤسسات التعليمية في نشر التوعية الرقمية، وتعليم الشباب مهارات التعامل مع الضغوط النفسية.

تدبير وقت استخدام وسائل التواصل الإجتماعي، في  تحديد ساعات معينة يوميًا لتجنب الإدمان.

خاتمة:

ختاما لكل ما سبق، أن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، على تقدير الذات، أصبح تأثيرًا خطيًا بسيطًا، بل هو تفاعل تحكمه عوامل شخصية واجتماعية وثقافية متعددة؛ إذ يمكن لهذه المنصات أن تسهم إيجابا في تشكل الثقة بالنفس وتساعد على بناء الهوية، كما قد تتحول في المقابل إلى مصدر للضغط والمقارنة الدائمة. وفي ظل الانتشار الواسع وتطور التكنولوجيا بين الفئات الإجتماعية، وتبرز أهمية ترسيخ ثقافة الاستخدام الوعي المتوازن، وكيفية توظيفها، ومدى ربط قيمة الفرد الذاتية بما يحققه من تفاعل رقمي. ومن ثم، فترسيخ تقدير الذات مستقر، يستند إلى إنجازات واقعية، وعلاقات داعمة، وقيم راسخة، يضمن أن يظل العالم الرقمي عاملًا مساعدًا لا مرجعًا وحيدًا للحكم على الذات.

تعليقات